في الكورة : حسن السعدنى يكتب: لماذا نحرق حكامنا في أتون الصراعات الكروية؟
تعيش كرة القدم المصرية حالة من التناقض الصارخ الذي يثير الدهشة والاستياء في آن واحد. وبينما يبذل النظام الرياضي قصارى جهده لمواكبة التطور العالمي، تظهر ممارسات إدارية في بعض الأندية، مما يعيدنا خطوة إلى الوراء.
أصبحت ظاهرة “قوائم الحكام السوداء” من الطقوس الشائعة في الدوري المصري، حيث تتجرأ الأندية على مخاطبة اتحاد الكرة رسميًا للمطالبة باستبعاد أسماء معينة من تحكيم مبارياتها. ولم يعد الأمر مقتصراً على الاعتراض على حكم أو حكمين، بل وصلت ابتذال بعضهم إلى حد إرسال طلبات استبعاد سبعة حكام في وقت واحد، وكأن الأندية هي التي تختار قضاة الملاعب وفق أهوائها ومصالحها الضيقة، وهو ما يضع هيبة العدالة الكروية على المحك ويطرح سؤالاً منطقياً عما سيبقى من القائمة. الحكام متاحون لإدارة المباريات إذا استجاب الاتحاد لمثل هذه “القرارات” السخيفة.
وتكمن المفارقة الغريبة في أن هذه الهجمة الشرسة محليا تتزامن مع طفرة حقيقية واعتراف دولي بمستوى الصافرة المصرية. في الوقت الذي تستضيف فيه القاهرة معسكر نخبة الحكام التابع للاتحاد الأفريقي لكرة القدم (كاف) بمشاركة سبعة حكام مصريين، من بينهم ثلاثة حكام ميدانيين، نشهد صيحات الشك تتصاعد في الداخل. والحقيقة هي أن هذا التقدير القاري لم يأت من العدم. بل هو انعكاس لزيادة تمثيل الحكام المصريين في إدارة مباريات الأدوار الإقصائية في البطولات الأفريقية، ووصولنا. إنها منصة فخر لوجود حكم ساحة مصري مرشح بقوة للتواجد في نهائيات كأس العالم المقبلة.
نحن أمام مشهد سخيف تماماً، يُحتفى فيه بـ«قاضي الملعب» المصري في المحافل الدولية باعتباره كفاءة نادرة، بينما في بلاده يُحرق ويُذبح أخلاقياً تحت وطأة الضغوط الشعبية والإدارية.
ويضمن اتحاد كرة القدم واتحاد الأندية لأي ناد يرغب في إعفاء نفسه حق أصيل وواضح، وهو طلب تعيين حكام أجانب لإدارة مبارياته وفقا للقواعد والأسعار المقررة. هناك أندية تختار هذا المسار الاحترافي والمباشر احتراماً للنظام، لكن الأزمة الحقيقية تكمن في لجوء أندية أخرى إلى «التجاوز» عن هذا الحق عبر سياسة «لي الذراع» والمطالبة بإقصاء حكام محليين محددين دون مسوغ قانوني، وهو سلوك لا يحمل منطقاً رياضياً سليماً.
فمن غير المعقول أو المقبول أن يفرض أي ناد شروطه على لجنة التحكيم من خلال استبعاد سبعة أسماء في وقت واحد، لأن هذا النهج لا يهدف إلى تطوير اللعبة، بل يحاول تصميم “عدالة خاصة” لتناسب أهواء نادي معين، وبالتالي التقليل من قيمة المنافسة وجعل الحكومة المحلية حلقة ضعيفة في الصراع على السلطة في كرة القدم.
ولا يمكن تجاهل أن الاستمرار في سياسة حرق الحكام وتصديرهم كمامة للفشل الفني والإداري للأندية سيؤدي حتماً إلى هدم المواهب التحكيمية الشابة المنتظرة بفارغ الصبر على الساحة. في النهاية الحكم إنسان يخطئ ويخطئ، والاعتراضات الفنية مقبولة ضمن الإطار القانوني، لكن تحويل الأمر إلى «حظر» شخصي وتصفية حسابات يدمر الثقة النفسية للحكام ويضعهم تحت ضغط لا يطاق حتى قبل بدء المباراة.
فبدلاً من توفير بيئة هادئة لتطوير تقنية الفيديو وصقل مهارات الحكام، نواجه غابة من التصريحات والأحكام التي لا تهدف إلا إلى ترهيب صافرة الحكم. ولا أعتقد أن اتحاد الكرة سيوافق على ذلك، لأن حماية الحكم المصري تحمي نزاهة المسابقة، ولا يمكن أن نسمح بهدم الكفاءات التي يعتبرها العالم “النخبة”، مع الإصرار على استبعادها محليا بطلبات غير منطقية.

